بهاء الدين الجندي اليمني

446

السلوك في طبقات العلماء والملوك

مدة ، وعجب الناس من ذلك أشد العجب إذ كانوا يرون الفقيه لو تعرض عليه الخلافة لأعرض عنها وعلموا أن ذلك سلامة باطن منه واستدراج من الفقيه أبي بكر ، ولم يزل على تدريس المدرسة المذكورة حتى توفي مستهل الحجة من سنة ثمانين وستمائة بعد بلوغ عمره أربعا وخمسين سنة . ومنهم أبو الخطاب عمر بن سعيد بن محمد بن علي الربيعي الكعومي الجميلي ، مولده على رأس ستمائة ، وكان فقيها محدّثا أخذ عن أخيه لأمه علي بن عمر مقدم الذكر وعن غيره من العلماء الذين يجتمع معهم بصنعاء ، وغيرها من بلاد اليمن ، عرضت ولايته لقضاء صنعاء حين عزل أخوه نفسه واعتذر ، وكان من أفصح الناس الخطبة وأحسنهم رواية للحديث والتفسير ومتى حضر مجلسا لم يبق لأحد فيه قدر يتكلم بشيء دونه ، وكان حافظا للفقه والتفسير ، لديه معرفة بالفقه لائقة ، وكتب إلى المستعصم « 1 » آخر خليفة ببغداد يسأله أن يأذن له في الحكم بصنعاء ونواحيها فوصله خطه بذلك فكان القاضي البهاء لا حكم له في شيء من تلك النواحي من رأس نقيل صيد « 2 » حتى تجاوز عمل السلطان المظفر إلى خلف صنعاء فكانت بينهما بذلك مكارهة ، وكان يهم بحرقه وكسر حرمته فلم يستطع ذلك ، وكان هذا القاضي مع اشتغاله بالقضاء راتبه كل يوم ثلث القرآن ، وكان رزقه على القضاء ورزق حكام الجهة من الجزية ولم يزل على ذلك إلى أن توفي ، فلذلك صار منذ توفي آمر الجزية يستند عليه القضاة الأكابر كقضاء القضاة والوزراء إلى عصرنا ، وكان حسن السياسة أحكامه كما شرط : ليّنا من غير ضعف قويا من غير عنف ، مع كثرة صيام وقيام ، وكان متعصبا للسنة مجانبا لأهل البدعة ، وكان المظفر يعظمه ويجله ، وبذلك عجز القاضي البهاء عن إسقاطه ولم تزل جزية اليهود وجامكية من جاء معه « 3 » إلى أن هلك فأخذ بنو عمران الجزية إليهم وجعلوا لحاكم كل بلد جامكية من الوقف وربما جعلوه من مال الديوان ، واستمروا على ذلك هم وكل وزير جاء بعدهم ، فصار الحكام هنالك يأخذون ما لا يحل لهم ويمنعون ما هو لهم حلال ، فهذه سنة رتّبها بنو عمران غالبا واحترزت

--> ( 1 ) المستعصم باللّه اسمه أبو أحمد عبد اللّه بن المستنصر باللّه العباسي مولده سنة تسع وستمائة ، وبويع له بالخلافة عند موت أبيه ، كان متدينا متمسكا بالسنة ، إلا أنه لم يكن حازما يقظا ، وقتله التتار في بغداد سنة ست وخمسين وستمائة وبه انتهت الخلافة العباسية في بغداد ، انظر تاريخ الإسلام وغيره كتاريخ الخلفاء . ( 2 ) نقيل صيد هو نقيل سمارة وقد تقدم ذكره . ( 3 ) كذا في « ب » وفي « د » وجامكية من جماعة والجامكية المرتب الشهري والكلمة من الدخيل .